محمد بن جرير الطبري

392

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

أن مصدر اغترف اغترافة ، وإنما غرفة مصدر غرفت ، فلما كانت غرفة مخالفة مصدر اغترف ، كانت الغرفة التي بمعنى الاسم على ما قد وصفنا أشبه منها بالغرفة التي هي بمعنى الفعل وذكر لنا أن عامتهم شربوا من ذلك الماء ، فكان من شرب منه عطش ، ومن اغترف غرفة روي . ذكر من قال ذلك : حدثني بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فشرب القوم على قدر يقينهم . أما الكفار فجعلوا يشربون فلا يروون ، وأما المؤمنون فجعل الرجل يغترف غرفة بيده فتجزيه وترويه . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة : فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ قال : كان الكفار يشربون فلا يروون ، وكان المسلمون يغترفون غرفة ، فيجزيهم ذلك . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع : فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ يعني المؤمنين منهم ، وكان القوم كثيرا فشربوا منه إلا قليلا منهم ، يعني المؤمنين منهم كان أحدهم يغترف الغرفة فيجزيه ذلك ويرويه . حدثني موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قال : لما أصبح التابوت وما فيه في دار طالوت ، آمنوا بنبوة شمعون ، وسلموا ملك طالوت ، فخرجوا معه وهم ثمانون ألفا . وكان جالوت من أعظم الناس ، وأشدهم بأسا ، فخرج يسير بين يدي الجند ، ولا تجتمع إليه أصحابه حتى يهزم هو من لقي . فلما خرجوا قال لهم طالوت : إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي فشربوا منه هيبة من جالوت ، فعبر منهم أربعة آلاف ، ورجع ستة وسبعون ألفا . فمن شرب منه عطش ، ومن لم يشرب منه إلا غرفة روي . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد : ألقى الله على لسان طالوت حين فصل بالجنود ، فقال : لا يصحبني أحد إلا أحد له نية في الجهاد فلم يتخلف عنه مؤمن ، ولم يتبعه منافق فلما رأى قلتهم ، قالوا : لن نمس من هذا الماء غرفة ولا غيرها وذلك أنه قال لهم : إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ الآية . فقالوا : لن نمس من هذا غرفة ولا غير غرفة قال : وأخذ البقية الغرفة ، فشربوا منها حتى كفتهم ، وفضل منهم . قال : والذين لم يأخذوا الغرفة أقوى من الذين أخذوها . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال ابن عباس في قوله : فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فشرب كل إنسان كقدر الذي في قلبه ، فمن اغترف غرفة وأطاعه روي بطاعته ، ومن شرب فأكثر عصى فلم يرو لمعصيته . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق في حديث ذكره ، عن بعض أهل العلم ، عن وهب بن منبه في قوله : فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ يقول الله تعالى ذكره : فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وكان فيما يزعمون من تتابع منهم في الشرب الذي نهي عنه لم يروه ، ومن لم يطعمه إلا كما أمر